نقاط ع الحروف 11/11/2024

إيران والحرب… نظرة عن قرب

نقاط على الحروف

ناصر قنديل

- أتاحت المشاركة في المؤتمر الدولي الذي نظمته واستضافته الجمهورية الإسلامية في إيران في ذكرى أربعين يوما على استشهاد الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله، الفرصة لقراءة إيران عن قرب، كيف يقرأ المسؤولون الايرانيون ما يجري، هل يرونه بعين تعتبر ان هناك مشروعا لاستدراجها الى حرب لا تريدها وعليها تفاديها، وهل تأثرت بوصول دونالد ترامب الى البيت الأبيض لتهيب المشهد أكثر، أم أنها تعتبر أنها في قلب الحرب وان زمن الحسابات انتهى وأن على الكيان ومن خلفه أميركا مهما كان اسم رئيسها ان يقيموا هم حسابات تظهر نية تصعيد الحرب او الرغبة في تفادي التصعيد؟

- عندما تسمع جواد ظريف نائب الرئيس الإيراني وهو الإصلاحي الداعي لاستئناف التفاوض حول الملف النووي، يقول "يجب على الكيان الصهيوني والولايات المتحدة أن يقبلوا بأنهم لن يروا السلام حتى يتم احترام حقوق الشعب الفلسطيني وعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى أرضهم"، ويضيف أن "نهاية الفصل العنصري في جنوب أفريقيا مثال واضح يمكن أن يتكرر ويجب أن يتكرر. وهذه هي رسالة دماء السيد حسن نصر الله وقاسم سليماني وإسماعيل هنية ويحيى السنوار وغيرهم من قادة المقاومة وقادة طريق الجهاد والاستشهاد"، يثبت لك حجم الفصل الذي تقيمه القيادة الإيرانية بين الاجتهادات المختلفة حول الملفات الداخلية ومقاربة العلاقة بالغرب من زاويتها وفي قلبها الملف النووي، وبين المواجهة القائمة تحت عنوان فلسطين والسيادة الوطنية الايرانية في قلبها، حيث اتفاق تام بالوقوف في خط المواجهة، وادراك ان الموقف التفاوضي بالنسبة لدعاة التفاوض لا يصنع إلا من باب الظفر بهذه المعركة.

- ربما تكون دماء السيد حسن نصرالله قد نقلت إيران وموقعها في الحرب من مرحلة الى مرحلة، ذلك أن إيران بكل اجنحة الحكم والمجتمع فيها، تدرك ان اغتيال السيد نصرالله كان قرارا أميركيا اسرائيليا بانهاء المقاومة في المنطقة، بما يعنيه ذلك وفقا لما يكتبه الأميركيون والإسرائيليون انه مقدمة لإنهاء أي دور إقليمي لإيران، هذا إضافة إلى أن وجود السيد نصرالله كان يعفي إيران من امتلاك مقاربة خاصة بها تجاه الحرب والاكتفاء بتلبية ما يراه نصرالله ضرورة مطلوبة من إيران، وبغيابه بات عليها هي أن تنتبه لحجم أعلى من الدور بات مطلوبا في معركة أصبح الترابط فيها عضويا من مستقبل حركات المقاومة ومستقبل إيران، بصورة أشد مما نظرت عبره إيران إلى الحرب على سورية وموقعها فيها.

- عندما انتصرت الثورة الاسلامية في ايران، كانت حدثا تاريخيا استثنائيا، فقد قدمت بالإضافة لمثال الثورة الشعبية السلمية المظفرة بوجه أعتى أنظمة القمع والطغيان المدعوم من كل قوى الاستكبار، وعلمت الشعوب وصفة النصر، مثالا جديدا لفهم الإسلام، هذا الدين الذي يحرك ربع البشرية المنتشرة على مساحات الكرة الأرضية كلها، وجاء هذا الفهم يتجاور أحيانا و يتساكن احيانا و يتصادم بإرادته أو خلافا لإرادته، مع نماذج أخرى سادت قبله لفهم الإسلام، يمكن تصنيفها وفقا لمعايير الفلاسفة اليونانيين، بالإسلام الهوائي القائم على الاكتفاء بالشكليات، والذي يعيش على القشرة، وشجع الحكام هذا الإسلام الذي لا يتدخل في السياسة و رأوه مناسبا لاستفرادهم واحتكارهم لتنظيم شؤون الحكم والحياة، وكان هناك الإسلام المائي وهو إسلام المال والسلطة الذي يهتم بترويج سياسات الحاكم ويعلنه أميرا للمؤمنين وليا للأمر، ويبرر التبعية للغرب، وجاء إسلام الثورة الإسلامية ترابيا متصلا بالأرض منشغلا بزرع الخير والتشجيع على اعتبار الكرامة الانسانية من المقدسات، ينصر المظلوم ويواجه الظالم، ما استدعى إنتاج إسلام منافس هو الإسلام الناري الشيطاني الذي مثلته الجماعات الإرهابية المتطرفة، ليخلق التشويش بين روح المقاومة والإرهاب، وبين الدعوة للأصول الإسلامية الصحيحة ومصطلح الأصولية القائمة على التخلف والتطرف.

- كانت البلاد العربية هي ساحة المنازلة التي سعت القوى الدولية الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية لإغلاقها بوجه الإسلام الترابي الذي مثلته الثورة الإسلامية، حيث نشطت نماذج الإسلام الهوائي و المائي والناري لتطويق الإسلام الترابي، إسلام القضايا، لكن كان على الإسلام الترابي الذي أن الإمام الخميني رمزه الإستثنائي ومن بعده حامل الراية الإمام الخامنئي، أن يتخطى مجموعة من الحواجز ليربح المنازلة، حيث من ينتصر هذه المرة يقود العالم الإسلامي وعبره العالم، وأبرز هذه التحديات كانت حل معضلة الوطنية والدين، وهي معضلة غير موجودة في إيران، حيث غير المسلمين أقلية ضئيلة، وحيث القوميات المتعددة توحدت تحت لواء وطنية جديدة هي الإسلام، فصارت الجمهورية بإسلامها قادرة على ضمان وحدة الشعب والأرض في إيران، والى جانبها معضلة اثبات المصداقية في قضية فلسطين، التي تشكل قضية العرب والمسلمين الأولى، وايران بعيدة آلاف الكيلومترات عنها، ومعهما معضلة تجاوز حاجز القومية الذي ارتفع فجأة بين العرب والإيرانيين، وفجأة أيضا ولد التحدي وولدت الفرصة التاريخية، فمع اتفاقيات كامب ديفيد للصلح مع كيان الاحتلال وقع اجتياح لبنان وولدت برعاية إيرانية المقاومة الإسلامية تحد وفرصة لحل كل هذه المعضلات، حتى برز من بين صفوفها للعرب إمام يحمل راية الإسلام الخميني الترابي، المؤمن بولاية الإمام الخامنئي والصادق المخلص في ولائه، ليتقدم الصفوف إماما للعرب والمقاومة والأخلاق.

- نجح السيد نصرالله برفع مكانة خط الإمام الخميني وقيادة الإمام الخامنئي إلى مرتبة عالية في عيون شعوب المنطقة، فكان هذا الإمام العربي الذي تحتاجه الثورة الإسلامية، وكتاب الثورة الناطق بالعربية، وقد ربط انتصارات المقاومة وصعودها كقوة إقليمية بقيادة الإمام الخامنئي، كما ربط ظهور محور المقاومة وتنامي قوته بوجود هذه القيادة ودعمها، وجاءت مساهمته في جبهة إسناد غزة تعبيرا عن فلسفة تحمل العواقب في المعارك الوجودية، وقد فرض طوفان الأقصى معركة وجودية إذا تركت فيها حماس تهزم سينال الكيان ومن خلفه أميركا من قوى المقاومة، وهذا يصح بالنسبة لما يجب على إيران أن تراه اليوم بعيون نصرالله، وبمثل ما اجتاز السيد نصرالله التعقيدات الوطنية والإقليمية والدولية التي تشكل عوائق أمام فتح جبهة الإسناد بما هي إعلان سقوط لمعادلات اتفاقية سايكس بيكو، ونظريات لبنان أولا ومصر اولا وسورية اولا وما يشبهها، فإن القيادة الايرانية تدرك انها تضع قضية الدفاع عن السيادة الايرانية عنوانا مضافا لعنوان نصرة قوى المقاومة كما فعل السيد نصرالله بالنسبة للدفاع عن لبنان وموقعه الصادق في خطاب معركة الإسناد، وأن القضية الرئيسية في الحرب صارت الخروج بنصر قوى المقاومة وإيران معها، مع معيار واقعي للنصر يتمثل في إسقاط أهداف الحرب كما رسمتها قوى المقاومة في فلسطين بوقف العدوان وانسحاب الاحتلال عبر اتفاق مع المقاومة في غزة، وفي لبنان كما يقول خطاب المقاومة بوقف اطلاق النار والعودة غير المشروطة الى القرار 1701.

- على خلفية هذه النظرة تقارب إيران حتمية الرد القوي القادم على الاستهداف الإسرائيلي لسيادتها، ووظيفة هذا الرد مزدوجة، من جهة حسم أمر الردع الإقليمي لحساب إيران، ومن جهة موازية إيصال رسالة القوة التي يجب أن تسهم في إفهام قيادة الكيان بلا جدوى الرهان على المضي في الحرب، وفي الأمرين لا يقيم الإيرانيون حسابات كثيرة لما يفترض البعض من انشغال بتقييم معاني وأبعاد فوز الرئيس الأميركي دونالد ترامب في الانتخابات، وهي تنظر للخيارين الديمقراطي والجمهوري في واشنطن بعين واحدة، ولها مع كليهما ثأر، لكن ميزان القوى هو الذي يمكن أن يفرض التفاوض الندي الذي لا تقبل إيران أقل منه، وحتى يحدث ذلك يكرر الإيرانيون كلمات السيد نصرالله، بيننا الأيام والليالي والميدان، أما بعد نهاية الحرب وفي اليوم الأول بعد أيام الحرب فيقول الايرانيون ان ايران حاسمة ولا تردد لديها تجاه تحمل المسؤولية عن اعادة الاعمار في لبنان وغزة ولو تخلف الجميع اما ان تسبب اقدامها باستنهاض الآخرين ولو من باب الغيرة وعدم تركها تتفرد بالمهمة، فأهلا وسهلا بالجميع.

 

 

2024-11-10 | عدد القراءات 146