- رمى الرئيس سعد الحريري في سوق الإستهلاك الإعلامي كلاما كثيرا خلال شهرين منذ بدء الإنتفاضة الشعبية ، كما إستهلك أسماء كثيرة لمرشحين لرئاسة الحكومة ، وشكلت إستقالته مشفوعة بقراره صرف النظر عن قبول رئاسة الحكومة ، تحت شعار "ليس انا بل أحد آخر" الحدث الأبرز في قلب هذا السياق ، وها هو اليوم يسمي نفسه لرئاسة الحكومة ويطلب من الحلفاء تسميته ويجري فريقه الإتصالات لحشد النواب وتجميع الأصوات ، وهو يدرك أن الحصول على رقم يزيد عن نصف أعضاء مجلس النواب ناتج عن تسميته من كتلة التنمية والتحرير ، التي تخالفه ورئيسها ، رئيس مجلس النواب ، التصور لتشكيل الحكومة ، كما خالفته في إستقالته ، وفي تعامله مع حرق الأسماء التي طرحها في التداول ، والنتيجة معلومة أن الرئيس الحريري يسعى للحصول على حجز مقعد الرئيس المكلف رغم معرفته أن دون تأليف الحكومة تفاهم لم يسع إليه مع الكتلة التي سينال التسمية المشرفة بفضلها ، وهو يعلم أنه تفاهم سيرفع لو حصل مؤيدي الحكومة إلى ما فوق المئة نائب بإنضمام نواب حزب الله والتيار الوطني الحر والكتل الحليفة ، فيصير السؤال الذي يعود للبنانيين حق سماع جواب صريح حوله ، لماذا إستقال الرئيس الحريري ؟
- قال الحريري أنه إستقال تلبية لنداء الشارع وها هو اليوم يسمع عاليا الأصوات التي تندد بعودته ، كما يسمع ما جرى في إحتفال الميلاد في الجامعة الأميركية مع الرئيس فؤاد السنيورة ، ويعلم أن مناورة الترسمل بالإستقالة للعودة لم تفلح رغم نجاحها المؤقت في إستعادة بعض الرضى في شارعه ، وتلبية بعض الجماعات المشاركة في الحراك سياسيا لطلب تلميع صورته كمستجيب لنداء الحراك ، وبحساب التنافس الذي فتحه مع رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل بتظهير باسيل طالب سلطة وظهور الحريري زاهدا بها ، تنقلب الصورة مع السعي الحريري المحموم للحصول على تسميتة رغم الثقة بإستحالة التأليف بشروط الحريري التي وضعها كطريق خلفي لتبرير العودة إلى رئاسة الحكومة ولم تلق القبول ، وبالمقابل ظهور باسيل زاهدا بالمشاركة بالحكومة ، رابحا بالنقاط على الحريري ، مانحا السؤال عن تفسير الإستقالة بأسباب وطنية قابلة للإقناع مشروعية ، يبدو الحريري عاجزا عن تلبيتها .
- قال الحريري في البيان اللاحق للإستقالة الذي أعلن فيه العزوف عن قبول تسميته ، أن الشارع قال كلمته وهو يريد المحاسبة وأن في طليعة الذين يجب أن يحاسبوا هو رئيس الحكومة ، ووضع ذلك سببا لتفسير عزوفه عن قبول التسمية ، فما الذي تغير الآن حتى يتخطى الحريري العزوف ويسعى للتسمية ، دون أن يعرض عليه لبن العصفور ، الذي لم يتبق منه إلا تسمية مشروطة من كتلة التنمية والتحرير بشكل للحكومة ، يقول الحريري أنه لا يرضاها ، والمنطقي أن يلجأ أي مسؤول جدي تطرح عليه رئاسة الحكومة إلى رفض التسمية طالما يعلم أن شروط الجزء الوازن منها لا تناسبه لتشكيل الحكومة ، وأن النتيجة ستكون لاتأليف ، وبدلا من أن يقول أن على من يسميه ان يعلم سلفا شروطه لتشكيل الحكومة ، كان عليه أن يعترف بكونه يعلم مسبقا بشروط التسمية ويقبل بالتسمية المشروطة ولو كانت النتيجة عدم قيام حكومة .
- بكشف حساب بسيط ، سيكون الحريري بالحصيلة رئيسا مكلفا بتشكيل حكومة لن تبصر النور في شهور ، ورئيسا لحكومة تصريف أعمال ، لشهور، سيعمل خلالها عبر التشكيلة الحكومية التي قام بفرط عقدها بداعي عدم الرضى ، وبعدما أضاع بالإستقالة شهرين من الفوضى والتراجع الإقتصادي والفراغ السياسي ، ولن يمنح اللبنانيين جوابا مقنعا على السؤال المحير ، ما دمت تعلم أنك سترضى بهذه الوضعية فهل تتفضل يا دولة الرئيس وتشرح لنا أيهما أفضل ، لو بقيت رئيسا لحكومة تعمل بكامل طاقتها وتسمع عندها صوت الشارع بمطالبه وأوجاعه وآماله ، أم أن تعمل مع نفس الحكومة لشهور ولكن في تصريف أعمال ، وتبقى رئيسا مكلفا لشهور أضاع على بلده شهرين بلا فائدة ، بل مليئة بالأضرار والخسائر ؟
2019-12-16 | عدد القراءات 3412